محمد المختار ولد أباه
107
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
فالكتاب هو المرقاة إلى فهم الكتاب . إذ هو المطلع على فهم الإعراب . . . فجدير لمن تاقت نفسه إلى علم التفسير وترقت إلى التحقيق فيه والتحري أن يعتكف على كتاب سيبويه فهو في هذا الفن المعول عليه ( البحر المحيط ج 1 ص 101 ) . أما الحديث ، فلم يستدل فيه إلا ببضعة أحاديث لا تتجاوز العشرة ، وتبعه جمهور النحاة في ذلك . والرأي السائد هو أن النحاة في عهده لم يستشهدوا بالحديث لجواز رواياته بالمعنى من غير العلماء ، وإننا لا نطمئن لهذا الرأي ولا لهذا التعليل لأسباب بديهية منها أن لغة الحديث تتجاوز فصاحتها جميع الأبنية والتراكيب التي جمعت من الأعراب من حول البصرة ، غير أن السبب الذي نفترضه هو أن هؤلاء النحاة عاشوا في عهد لم تستكمل فيها عملية تدوين الحديث . والأئمة الرواد الذين قاموا بتدوين السنة مثل الإمام مالك وابن جريج وابن أبي عروبة كانوا في الحجاز ولم تظهر كتبهم إلا في أواخر القرن الثاني ، أما السفيانان اللذان كانا بالعراق فهما ابن عينية ( ت 198 ه ) ولم نعرف له كتبا ، وأما الثوري ( ت 161 ه ) فقد قيل إنه أحرق كتبه تورعا . والعالم الذي كان في إمكانه أن يعين سيبويه في النحو والحديث معا هو حماد بن سلمة ( ت 167 ه ) ، ويحكى أن سيبويه حاول في أول مرة أن يكتب عنه الحديث ، غير أن حادثتين صدّتا سيبويه عن الحديث ووجهتاه إلى اللغة ، إحداهما أنه قال أمام حماد أن الرسول صعد الصفاء ، فقال حماد : يا فارسي لا تقل الصفاء « 1 » ، وأما الحادثة الثانية فتلك المتعلقة بحديث ليس أبا الدرداء » « 2 » وآلى سيبويه على نفسه ألا يكتب شيئا حتى يحكم العربية ، فغرق في بحرها ، ونأى عن الحديث ، مؤكدا بذلك اتجاه أهل البصرة في التخصص ، وهو مما عابه أهل الكوفة عليهم في منافساتهم العلمية . هذا وفي الإمكان أن نقسم شواهد سيبويه الشعرية إلى ثلاثة أقسام : قسم قليل منها يظهر أنه من صنع النحاة ، للبرهنة على بعض القواعد التي وضعوها ولم يجدوا دليلا على صحة استعمالها ، وهذه العادة معروفة عند
--> ( 1 ) الزجاجي : مجالس العلماء ص 154 . ( 2 ) السيرافي : أخبار النحويين البصريين ص 59 .